الفصل السادس

من كتاب "العلاقات الإنسانية"

للكاتب: عبد الله خمّار

 

دراسة علاقة الصداقة

نموذج مدروس

تحليل العلاقة وتقييمها:

        دراسة العلاقة كما رأينا هي تحليلها وتقييمها، ولابد قبل ذلك من تحليل مقومات الشخصيتين طرفي العلاقة، واستنباط نقاط الانسجام والاختلاف بينهما، وبما أن تحليل الشخصية سبق التطرق إليه في الكتاب الأول "بناء الشخصية"، سنكتفي بذكر ملخص لأهم مقوماتهما، لنتمكن من معرفة أسباب نجاح أو فشل العلاقة.

نموذج مدروس: الصداقة المؤجلة (فورستر):

        وسنقدم في الصفحات الآتية نموذجا مدروسا من علاقة الصداقة بين طبيب هندي ومعلم إنجليزي، يمثلان الشرق والغرب، في أوائل القرن العشرين، وفي مدينة شاندرابور الهندية أثناء الاحتلال البريطاني للهند، نستهله بمخطط عام لدراسة علاقة الصداقة، ثم بالتعريف بالرواية التي أخذنا منها هذه العلاقة.

 

مخطط دراسة علاقة الصداقة:

أ- تحليل شخصيتيهما بالإجابة عن الأسئلة الآتية:

1- من هما؟ تحديد مقومات كل منهما الجسمية والنفسية والاجتماعية:

        أولا: المظهر الخارجي (الجسم والثياب).

        ثانيا: التكوين النفسي والاجتماعي:

        أ- النشأة والبيئة. ب- الذكاء. جـ- الثقافة. د- الجانب الانفعالي الوجداني:

               I- المزاج. II- الانفعالات. III- العواطف. VI- الطباع والسلوك.

2- ماذا يريدان؟ تحديد غاية كل منهما وهل هي سامية أم دنيئة؟

3- ما دوافعهما؟ تحديد دوافع كل منهما وهل هي نبيلة أو وضيعة؟

4- ما وسائلهما؟ تحديد وسائل كل منهما وهل هي شريفة واضحة أم ملتوية؟

ملاحظة: قد درسنا هذا كله في الكتاب الأول، ويكتفي عند دراسة العلاقة بملخص قصير لمقومات الشخصيتين.

ب- تحليل العلاقة:

        بالإجابة عن الأسئلة الآتية:

1- ما عوامل الوفاق والانسجام بينهما؟ تستخرج من خلال التشابه والانسجام في البيئة والثقافة والمزاج والعواطف والطباع او في بعضها.

2- ما عوامل الاختلاف بينهما؟ تستخرج من خلال التنافر بين المقومات.

3- ما الجوانب الإيجابية والسلبية في العلاقة؟

       I- بداية العلاقة.

       II- مظاهرها الإيجابية.

       III- مظاهرها السلبية.

       IV- تطور العلاقةونهايتها في الرواية.

جـ- تقييم العلاقة:

1- هل كانت هذه العلاقة ناجحة أم فاشلة؟

2- ما أسباب نجاحها أو فشلها؟ وما مسؤولية كل من الطرفين في ذلك؟ ومسؤولية الأطراف الأخرى.

3- ما العواطف التي تثيرها لدى القارئ؟

4- رسالة الكاتب وما هدفه من نسج هذه العلاقة.

التعريف بالرواية:

        تعتبر رواية "رحلة إلى الهند" للكاتب الإنجليزي "فورستر" إحدى الروايات الهامة التي اهتمت بمعالجة العلاقات الإنسانية، فقد حاول الكاتب فيها إبراز العلاقات بين الشعوب، وبين الطوائف، وبين الأفراد وبين الأجيال وبين الرجال والنساء.

        وتقع أحداث هذه الرواية في مدينة "شاندرابور" أثناء الاستعمار البريطاني فيما بين العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين. وكان يعيش فيها المسلمون والهندوس وطوائف هندية اخرى إلى جانب الجالية الإنجليزية الحاكمة والمولدين الناتجين عن زواج الإنجليز بالهنود.

السؤال المطروح في الرواية:

        "هل يمكن إقامة علاقة صداقة حقيقية بين هندي وإنجليزي."

        هذا هو السؤال الذي طرحه الكاتب، وحاول الإجابة عنه من خلال الرواية، وسنحاول في هذه الصفحات دراسة علاقة الصداقة هذه بين الهندي عزيز والإنجليزي فيلدنج.

I- أهم مقومات الشخصيتين:

        عزيز شاب مسلم يعمل طبيبا في مستشفى مدينة شاندرابور، عاطفي، انفعالي، أرمل وله ثلاثة أولاد، و"فيلدنج" معلم كهل، ملحد، يعمل مدير الكلية في المدينة، منهجي، عقلاني، أعزب.

        وكانت غاية فيلدنج إشاعة التفاهم بين الناس عن طريق تفتيح عقولهم بالتعليم، وغاية عزيز هي عودة أمجاد الإسلام في الهند، بدافع ديني.

        وهما مختلفان في العرق والدين والحضارة والطباع والبلد والمناخ والنظرة إلى الحياة، وأكثر من ذلك وهو الأهم أن أحدهما ينتمي إلى الأمة المستعمرة، والثاني إلى الأمة التي ترزح تحت نير الاحتلال.

        فهي ليست علاقة بين اثنين بل بين أمتين، لابد ان تطبعها الأحكام المسبقة، وسوء التفاهم، وسوء الظن الذي يؤدي إلى الإحباط وخيبات الأمل المتكررة لطرفي العلاقة. ومن خلال ذلك يريد الكاتب ان يبرز نظرة الغرب إلى الشرق ونظرة الشرق إلى الغرب، روحانية الشرق ومادية الغرب، تدين الشرق وإلحاد الغرب، ومزايا وعيوب كل منهما.

II- تحليل العلاقة:

1- عوامل الوفاق: ونبدأ باستنباط عوامل الوفاق والاختلاف من خلال المقارنة بين مقوماتهما:

        وقد جمع بينهما أن كليهما ماهر وناجح في عمله، وأنهما لايؤمنان بالخرافات ويكرهان العنصرية، ويتميزان بالمرح وخفة الدم. كما جمع بينهما حب الشعر ومعرفة كل منهما لغة الآخر دون ان يجيدها.

2- عوامل الاختلاف بينهما:

        أما عوامل الاختلاف فقد أوردناها مع شيء من التفصيل، في الملحق الذي يلي أسئلة وتمارين هذا الفصل لأهميتها، وتجنبا للإطالة في هذه الدراسة، ونوجزها في النقاط الآتية:

أ- منهجية فيلدنج وعدم منهجية عزيز.

ب- الاختلاف في الاهتمام بالوقت واحترام المواعيد.

جـ- صراحة فيلدنج ومراوغة عزيز.

د- حرية فيلدنج وارتباط عزيز، فالأول فضل العزوبة، والثاني مؤمن بضرورة الزواج.

هـ- رومانسية عزيز وواقعية فيلدنج.

و- الفرق بينهما في العناية بالمسكن ونظافته.

ز- تبذير عزيز وحرص فيلدنج.

حـ- الاختلاف في النظرة إلى الأدب والشعر.

ط- عشائرية عزيز ومدنية فيلدنج.

 ملاحظة: إذا أردت التفصيل في عوامل الاختلاف بين عزيز وفيلدنج انقر هنا: ملحق بدراسة علاقة الصداقة: عوامل الاختلاف بين عزيز وفيلدنج.

3- بداية العلاقة:

        شاندرابور مدينة صغيرة، وعزيز طبيب في المستشفى الوحيد فيها، وفليدنج مدير الكلية، ومن الطبيعي أن يسمع كل منهما بالآخر، حتى ولو لم يلتق به، وقد تلقى عزيز دعوة من فيلدنج لتناول الشاي، ولعدم اهتامه بالمواعيد نسي الدعوة، ولم يعتذر. وشاءت المصادفة أن يلتقي أثناء اليل حين كان وحيدا في المسجد بسيدة إنكليزية عجوز هي السيدة "مور" وقد وصلت حديثا إلى شاندرابور لزيارة ابنها قاضي المدينة "هيلسوب"، واعجب عزيز بالسيدة لأنها احترمت المسجد وخلعت نعليها قبل دخوله، وكانت العجوز مسيحية متدينة، ونشأ بينهما ود صادق، فحدثته عن ولديها من زواجها الثاني "رالف" و"ستيلا" بعد وفاة والد "هيلسوب". وحدثها عن أولاده "أحمد" و"كارم" و"جميلة".

        وقد دعا "فيلدنج" عزيز مرة ثانية ليلتقي بمسز "مور" ومرافقتها الآنسة "كويستد" خطيبة ابنها "هيلسوب". وفرح "عزيز" بالدعوة. لأن فيلدنج لم يلمه على عدم حضوره في المرة الأولى، وكان متشوقا إلى معرفته:

        "لقد كان شديد الرغبة في أن يعرف كل شيء عن الرجل العظيم، مرتبه، هواياته، حياته السابقة، كيف يمكن أن يدخل السرور عليه."

رحلة إلى الهند ص 83

4- جوانبها الإيجابية:

        وقد كانت العلاقة في البداية إيجابية في كل مظاهرها التي نستعرضها فيما يأتي:

أ- تآلفهما العاطفي:

        وقد انجذب كل منهما إلى الآخر، وحدثت بينهما الألفة من اللقاء الأول:

        "وتصافحا مبتسمين. وأخذ عزيز ينظر حوله كما يصنع عند أي صديق قديم. ولم يندهش فيلدنج لسرعة تآلفهما، وكان المحتمل ان يحدث هذا في الحال بين اناس عاطفيين على هذا النحو، أولا يحدث على الإطلاق، ولم يكونا هو وعزيز، وهما لم يسمع أحدهما عن الآخر إلا كل خير، لم يكونا في حاجة إلى مقدمات كي يتفاهما."

ص 90

        وظل هذا التآلف قائما بينهما وكان فيلدنج يأمل دائما في استمراره:

        "وقد كان أحب عزيزا عند أول لقاء لهما، وأمل في أن ينمو هذا الحب."

ص 165

ب- الاحترام المتبادل:

        لم يكن فيلدنج عنصريا بخلاف الإنجليز الذين يعيشون في الهند:

        "لم يكن لديه شعور عنصري، لا لأنه كان أرفع من إخوانه المدنيين، ولكن لأنه نضج في جو مختلف عن جوهم، لاتزدهر فيه غريزة القطيع."

ص 86

        لذلك فقد أحب الهنود وأحبوه، وكرهه أبناء جلدته الإنجليز:

        "لقد وجد أن في علاقته بالهنود راحة ومتعة له، وكان لابد له أن يدفع ثمن ذلك."

ص 87

        وكان عزيز يحترمه ويقدر هذه الخصلة فيه:

        "ليس من إنجليزي يفهمنا سوى مستر "فيلدنج"."

ص 146

         ورغم إلحاد فيلدنج فقد كان يحترم عقيدة صديقه وآراءه:

        "وكان فيلدنج ملحدا في صراحة ووضوح، ولكنه كان يحترم كل رأي يعتنقه صديقه، وهذا العمل جوهري للمحافظة على الصداقة."

ص 382

جـ- الثقة المتبادلة:

        ومن مظاهر هذه الثقة رفع الكلفة بينهما التي بدأها فيلدنج مدفوعا بعاطفة لم يدر سببها مع العلم أنه لم يكن قد رأى عزيزاً حتى الآن:

        "كان مستر فيلدنج يلبس ثيابه بعد الاستحمام، فرفع صوته وهو في حجرة النوم قائلا: "أرجوك ان تعتبر البيت بيتك"، ولم يقل ذلك عن تفكير كأغلب أفعاله، بل شعر نفسه مدفوعا لأن يقول ذلك."

ص 87

        وحين زار "فيلدمج" عزيزاً في بيته أراه صورة زوجته الميتة، وقد كانت المرأة المسلمة في الهند محجبة لايراها الغرباء:

        "-إنها زوجتي، إنك أول إنجليزي يراها، والآن ضع صورتها.

        وأخذت فيلدنج الدهشة، كالمسافر الذي يرى الزهور فجأة بين حصى الصحراء. لقد كانت الزهور هناك طول الوقت، ولكن فجأة رآها، وحاول أن ينظر إلى الصورة، ولكنها في ذاتها كانت مجرد امرأة تلبس "الساري" وتواجه الحياة. وتمتم قائلا: "حقا إنني لا أدري ياعزيز لماذا أنت تقدم إلي هذه التحية العظيمة، ولكنني أقدرها بكل تأكيد"."

ص 169

        وسأله فيلدنج إن كان يسمح له برؤيتها لو كانت على قيد الحياة، وجرى بينهما حوار حول الحجاب:

        "- أكنت تسمح لي برؤيتها؟

        ولم لا؟ إنني أومن بالحجاب، ولكني كنت أخبرها أنك أخي، وعندئذ كانت تظهر لك. لقد رآها حامد الله وآخرون عديدون.

        - أكانت تعتقد أنهم إخوتك؟

        - لا بطبيعة الحال، ولكن الكلمة قائمة، وهي كلمة ملائمة. إن كل الرجال إخوتي. وبمجرد أن يسلك الشخص هذا السلوك يستطيع أن يرى زوجتي.

        - وعندما يسلك العالم كله هذا السلوك فلن يكون هناك حجاب بعد؟

        فقال عزيز في لهجة جادة: "إنه من أجل أنك تستطيع أن تقول وتحس بمثل هذه العبارة فإنني أريتك الصورة، إن هذا فوق قدرة أغلب الناس"."

الصفحة نفسها

        وقد سعد فيلدنج بهذه الثقة:

        "وجلس "فيلدنج" قريبامن السرير مزهوا بالثقة التي وضعت فيه، وإن كان أسيان نوعا ما. وأحس بالكبر، وود لو استطاع هو كذلك أن يسبح على موجات العاطفة."

ص 171

د- التعاون في شؤون الحياة:

        والمواقف العملية هي محك الصداقة الحقيقية فالصداقة أخذ وعطاء وسوف نستعرض مواقف كل من الصديقين من خلال أهم أحداث الرواية:

أولا- إكرام عزيز أصدقاءه: أول ما يفكر فيه الرجل الشرقي لإسعاد أصدقائه، هو إكرامهم، ولما لم يكن عزيز يستطيع استضافة فيلدنج والسيدة "مور" والآنسة "كويستد" في بيته، فقد دعاهم لزيارة كهوف "مارابار" البعيدة عن شاندرابور. وقد كلفته الرحلة مئات الروبيات واستعمل فيها القطار ثم الفيل للوصول إلى كهوف "مارابار"، واستأجر الخدم والحشم وأحضر الطعام والشراب بمختلف ألوانه للمسلمين الذين لايأكلون لحم الخنزير، وللهندوس الذين لايأكلون لحم البقر، وللإنجليز المسيحيين. وقد كانت هذه الرحلة شؤما عليه فقد تخلف فيلدنج بسبب أحد أصدقائه الهنود الذي عطله، وتعبت السيدة "مور" من أصوات الصدى في الكهوف، فتوقفت عن التجوال فيها وظل عزيز والآنسة كويستد وحدهما يتنقلان بين الكهوف.

ثانيا: اتهام عزيز وموقف فيلدنج:

        وأثناء تجوالهما سألته إن كانت له زوجة واحدة أو أكثر، لأنها كانت تعتقد أن المسلمين "يصرون على استكمال الأربع". وصدم من كلامها، ودخل أحد الكهوف ليستعيد اتزانه، ودخلت كهفا آخر دون أن تراه، وهي تفكر في خطيبها الذي لا تحبه، وفي الزواج، وفي أناقة ووسامة عزيز، وخيل إليها نتيجة الحكم المسبق في ذهنها عن المسلمين وشغفهم بتعدد الزوجات وتأثير الحرارة الشديدة في الكهف، وأصوات الصدى وأفكارها المختلطة، أن "عزيز" هاجمها وحاول الاعتداء عليها، فخرجت مسرعة متوجهة إلى شاندرابور، وقدمت شكوى ضد عزيز متهمة إياه بالاعتداء عليها. وألقي القبض عليه تمهيدا لمحاكمته، ولم يصدق فيلدنج ما قيل عن عزيز، وسعى إلى تبرئته.

ثالثا: وقوفه ضد جماعته الإنجليز:

        إذا كان مثل "الصديق وقت الضيق" يمكن أن ينطبق على قلة قليلة من الناس، فإن فيلدنج من هذه القلة القليلة، فعندما اتهم عزيز ودقت طبول العنصرية بين الإنكليز والهنود، انحاز فيلدنج كلية إلى صف صديقه عزيز لأنه آمن ببراءته منذ اللحظة الأولى، ودون أن يسأله عن الحادثة لثقته العظيمة فيه:

        "لقد كان عزيز بريئا، وكل إجراء ينبغي أن يبنى على هذه الحقيقة، وأولئك الذين ظنوه مذنبا كانوا على خطأ، ولكن أية محاولة لتهدئتهم كانت تذهب عبثا."

ص 259

        وحاول رئيس الشرطة الإنجليزي ماكبرايد أن يقنعه بالإنضمام إلى صف الانجليز في قضية عزيز، وأن يتخلى عن رأيه الخاص من أجل الجماعة:

        "ولكن في مثل هذه الأوقات لا يكون هناك مجال للآراء الخاصة. فمن لا ينضم إلى الصف يهلك.

        - لقد فهمت ما تعنيه.

        - كلا إنك لم تفهمه حق الفهم. إنه لا يهلك هو ذاته بل يضعف أصدقاءه."

ص 256

        وقف فيلدنج معلنا اعتقاده ببراءة عزيز أمام كبار الموظفين الإنجليز المجتمعين مع زوجاتهم في النادي.

        "وإذا كان المعلم متحفظا صلبا، بريئا من اندفاعات التعصب القومي أو الشباب فقد فعل ما كان بالنسبة إليه أمرا هينا. ذلك لأنه نهض وقال:

        "أعتقد أن الدكتور عزيز بريء"."

ص 283

        ولم يكتف بذلك بل راهن على مستقبله أيضا وعلى ارتباطه بجماعته بقوله:

        "- إنني أنتظر حكم المحاكم، فإن كان مذنبا فسوف أعتزل الخدمة وأرحل من الهند، وإني لمستقيل من النادي منذ الآن."

الصفحة نفسها

        واتهموه بإثارة الفتن والخيانة وحتى بالجاسوسية لوقوفه مع عزيز:

        "كانوا يهاجمون فيلدنج في عنف، فقد رؤي يركب السيارة مع المستشارين أمرتراو ومحمد علي "محاميي عزيز"، وقد شجع حركات فتيات الكشافة لأسباب مثيرة للفتن، وتلقى رسائل عليها طوابع بلاد أجنبية، وربما كان جاسوسا يابانيا. إن الحكم الذي سيصدر هذا الصباح سيقضي على هذه الخيانة، ولكنه قد سبب لوطنه وللامبراطورية أضرارا لا تحصى."

ص 322

رابعا: رسالته إلى "أديلا كويستد":

        وقد حاول مقابلة الآنسة "كويستد" التي اتهمت عزيزا، لكنهم منعوه من مقابلتها بحجة مرضها، فأرسل لها رسالة أطلعها عليها خطيبها القاضي "هيسلوب" بعد يومين من التردد، وقد أعلن فيها بصراحة اعتقاده ببراءة عزيز:

        "ثم عبرت عيناها سطور الخطاب الذي صيغ بعناية في لهجة رسمية، فقرأت فيه: "إن الدكتور عزيز بريء"."

ص 295

        وقد كان لرأي فيلدنج في براءة عزيز، ورأي السيدة "مور" أيضا في براءته، أثر كبير على أديلا، جعلها تراجع نفسها، وتحاول استعادة ما حدث في الكهوف، وتبرئ عزيزا مما نسبته إليه نتيجة الخلط والتشويش الذي حدث في ذهنها أثناء زيارة الكهوف.

خامسا: مشاركة فيلدنج عزيز بالاحتفال ببراءته:

        جرت المحاكمة في جو عنصري بغيض، حاول فيه البيض حشد قواهم للتأثير على القاضي الهندي الذي عوض "هيلسوب" خطيب المدعية. وحاولوا إظهار الآنسة "كويستد" بمظهر الشهيدة، وعجل هيلسوب بترحيل والدته السيدة "مور" إلى إنجلترا، لأنها رفضت أن تشهد ضد عزيز. ولكن الآنسة "كويستد" فاجأت الجميع حين أعلنت في المحكمة أنها غير متأكدة من اعتداء عزيز عليها، وأن ذهنها كان مشوشا بسبب الحرارة والصدى في الكهوف، فثبتت براءة عزيز واحتفل الهنود بذلك، ولكن فيلدنج لاحظ عند خروجه من المحكمة الآنسة "كويستد" وحيدة بعد تخلي الإنجليز عنها بما فيهم خطيبها لأنها خيبت أملهم بتبرئة عزيز، فنقلها إلى بيته في الكلية، وترك لها حرية المكوث في البيت حتى تسافر أو تجد المكان الذي تنتقل إليه، أما هو فسيتغيب في هذه الفترة عند عزيز للاحتفال مع الهنود ببراءته، وسمع قبل أن يذهب بوفاة السيدة "مور" في الباخرة أثناء الرحلة، من ابنها "هيلسوب".

سادسا: نصح عزيز:

        وكان فيلدنج أكثر تجربة من عزيز، وقدم له النصح في مواطن كثيرة، منها نصحه له بتجنب "العشائرية" وعدم التبذير، والإخلاص في النصح هو أهم واجب من واجبات الأصدقاء.

سابعا: قبول عزيز شفاعة فيلدنج:

        فوجئ فيلدنج برغبة عزيز في رفع دعوى على الآنسة "كويستد" ومطالبتها بمبلغ "عشرين ألف روبية" كتعويض عما ألحقته به وبسمعته. وأحس بأن هذه الفتاة الغريبة ستفقد كل مالديها من مال، كما فقدت خطيبها، وكما فقدت تعاطف الإنجليز معها بسبب صدقها وأمانتها في المحكمة، فحاول إقناع عزيز بالتنازل عن الدعوى، ورفض عزيز في البداية:

        "ولقد باءت مساعي فيلدنج الأولى بالفشل، وكان الجواب: "إنني أعلم حيلك إني أريد الانتقام منهم. لماذا أهان وأقاسي ويقرأ ما تحويه جيوبي، وتؤخذ صورة زوجتي إلى مركز البوليس؟ وإني أريد المال كذلك لأعلم أبنائي الصغار"."

ص 372

        ولكن فيلدنج ألح عليه وأقنعه وتنازل عن التعويض:

        "وتنازل في اندفاع عاطفي جميل عن مال التعويض بأجمعه فيما عدا المصروفات."

الصفحة نفسها

        وهكذا كانت مواقف كل منهما دليل على الصداقة الحقة.

5- تطور العلاقة والعوامل السلبية المؤثرة فيها:

        لقد رأينا من خلال ما تقدم ان صداقة عزيز وفيلدنج قد تكونت وتطورت خلال آحداث الرواية، وهي اتهام عزيز وسجنه وبراءته، ولكن جوانبها الإيجابية قد تأثرت إلى حد كبير ببعض الآفات التي تصيب كل علاقة من هذا النوع، فتزعزع الاحترام والثقة بين طرفيها، وتجمد العواطف، وتوقف التعاون، ومما عكر علاقتهما، وزعزع أسسها العوامل التالية:

أ- السعاية والوشاية:

        إن أخطر العوامل السلبية في علاقة الصداقة هي السعاية بين الأصدقاء، والوشاية، والدسائس وإختلاق الأكاذيب أحيانا، وذلك ما لايقوم به أعداؤهما فحسب، بل أعز أصدقائهما أيضا بدوافع مختلفة، فقد أشاع خادم الآنسة "كويستد" الهندي بين جماعته، أن فيلدنج كان يزورها ليلا في الكلية وان هناك علاقة بينهما، كل ذلك لأنها لم تمنحه بعض المال الذي طلبه، والتقط أصحاب عزيز الإشاعة، وكانوا منزعجين لأن عزيز تنازل عن الدعوى وحرم نفسه وحرمهم من عشرين ألف روبية، وهذا حامد الله ينقل الإشاعة لعزيز:

        "ثم قال وقد طابت نفسه وتبسم: "هل سمعت تلك الشائعة الدنيئة التي التقطها محمد لطيف؟

        - أي شائعة

        - عندما نزلت مس "كويستد" في الكلية اعتاد فيلدنج أن يزورها... في أوقات متأخرة من اليل كما يقول الخدم"."

ص 405

        واتهم أصدقاء عزيز فيلدنج بخيانة صديقه، لأنه جعله يتنازل عن الدعوى والمال لمصلحة عشيقته الإنجليزية:

        "وسرعان ما أعلن محمود علي أن الخيانة كانت قائمة. وتمتم حامد الله إنه لم يكن أخيرا يخاطبنا بالتأكيد في صراحته السابقة، وحذر عزيزاً قائلاً: "لاتتوقع خيراً كثيراً، فهو وهي آخر الأمر شخصان من عنصر آخر."

ص 422

ب- الحكم المسبق:

        لقد استطاعا أن يقفزا على حواجز الجنس واللغة والدين، ولكن ذلك لايعني أنهما ألغيا هذه الحواجز إذ أنها تقف بينهما بين الفينة والفينة حين يتجادلان:

        "وعندما كانا يتجادلان في هذا الأمر، كان شيء عنصري يتدخل في الحديث، لابحرارة، ولكنه لا يتفادى، كان شيئا في مثل لون بشرتهم، لون البن، مقابل اللون الأبيض المشرب بحمرة."

ص 371

        ولم يستطع عزيز أبدا نسيان كراهيته للإنجليز، وقد أثر ذلك على صداقتهما:

        "ورغم أنه كان يشعر أحيانا في طرف ذهنه، بأن فيلدنج قد قام من أجله ببعض التضحيات، فقد اختلط كل ذلك بكراهيته الأصلية للإنجليز. وقال لنفسه وهو واقف بلا حراك في المطر: "إنني هندي في نهاية الأمر"."

ص 440

        أليس هو القائل قبل أن يتعرف بقيلدنج بأن الإنجليز كلهم من طينة واحدة:

        "فهم يتشابهون أخيراـ فلا أسوأ ولا أحسن."

ص 07

جـ- خيبات الأمل:

        كثيرا ما نتوقع من أصدقائنا ما ليس في مقدورهم أن يصنعوه، فيخيب أملنا دون أن نعرف أعذارهم.

        فقد خاب أمل عزيز في فيلدنج لأنه لم يزره في السجن إلا بعد مدة، ولم يدر بأنه حاول زيارته في السابق، ولكن طلبه رفض:

        "وبعد الظهر حصل على ترخيص وزار عزيزا، ولكنه وجده لا يحتمل من فرط حزنه. كانت الملاحظة الوحيدة المتماسكة التي فاه بها هي: "لقد تخليت عني"."

ص 268

        وخاب أمله في فيلدنج وفي الصداقة عندما صدق الوشايات والإشاعات التي حيكت عنه، فغضب وانفجر أمام حامد الله:

        "ولدهشته ولدهشة حامد الله أصابه انفجار عصبي، وصاح، قائلا: "ولكن من الذي يساعدني، إني لا صديق لي.إن الكل خونة حتى أولادي. لقد رأيت مافيه الكفاية من الأصدقاء."

ص 406

        وخاب أمل فيلدنج عندما أرسل عدة خطابات لعزيز ولم يتلق ردا عنها، ولم يدر بأن عزيز كان يمزق الخطابات دون أن يقرأها لأنه صدق وشايات محمود علي وعاتبه حين قابله في "ماو" بعد سنتين على ذلك:

        "ونا داه فيلدنج، ولكن ليس بلهجة ودية، كيف حالك ياعزيز بعد كل هذا الوقت."

ص 450

        ثم سأله معاتبا:

        "لماذا لم تجب عن خطاباتي؟."

الصفحة نفسها

د- الشكوك:

        وقد زعزعت سعاية ووشاية أصدقائه  ثقته في فيلدنج، وكان لديه استعداد للشك:

        "كان الشك والإيمان يستطيعان أن يعيشا في عقله جنبا إلى جنب، فهما ينبعان من مصدرين مختلفين، ويجب ألا يتداخلا على الإطلاق. فالشك عند الشرقي نوع من الورم الخبيث. إنه مرض عقلي يجعله خجولا، عدائيا فجأة، يثق ولا يثق في نفس الوقت، بطريقة لا يستطيع الغربي فهمها. وهذا هو شيطانه كما أن شيطان الغربي هو النفاق."

ص 420

        وقد صدق أن صديقه فيلدنج يعتزم الزواج من الآنسة كويستد ولم يكن شكه شكا ديكارتيا يقوده إلى التحقق والتأكد:

        "لم يكن من طبيعة عزيز أن يسعى وراء دليل بين، وكانت معتقداته تتحدد وفق تسلسل عواطفه. وقد أدى ذلك إلى البرود المؤسف بينه وبين صديقه الإنجليزي."

ص 408

هـ- سوء الفهم وسوء التفاهم:

        قد يؤدي سوء الفهم أحيانا إلى سوء التفاهم، وهذا ماحدث حين كان فيلدنج يحدث عزيزا عن السيدتين القادمتين وعن الحديث الذي يمكن أن يناقشه مع الآنسة كويستد:

        "- تستطيع أن تتحدث إلى مس "كويستد" عن (العرش الطاووسي) إذا أرادت. إنها فنانة فيما يقولون.

        - أهي من مدرسة (ما بعد التأثرية)؟

        - (ما بعد التأثرية)، بالتأكيد! هيا إلى الشاي. لقد بدأت أضيق بهذه الحياة نهائيا.

        وغضب عزيز، فقد أوحت إليه تلك الملاحظة أنه، هو ذلك الهندي المغمور، لم يكن له حق في أن يكون قد سمع عن (ما بعد التأثرية)، فهذا امتياز اختص به العنصر الحاكم آنذاك."

ص 92

        وقد تلاشى سوء التفاهم هذا سريعا:

        "وقبل أن يفرغ عزيز من عبارته كانت الجفوة قد تلاشت منها، لأنه أحس بنوايا فيلدنج الخيرة المتأصلة. وتحركت نفسه نحوها، وناضلت الجزر والمد العاطفي المتغير الذي يستطيع وحده أن يحمل المسافر إلى مرسى، ولكنه كذلك ربما حمله عبر الصخور."

الصفحة نفسها

6- تأزم العلاقة وتطورها:

        وقد بدأت العلاقة بينهما تتأزم شيئا فشيئاً:

أ- بداية الأزمة: الخطأ والاعتذار:

        فاتح عزيز فيلدنج في علاقته بالآنسة كويستد بلهجة سوقية تنم عن فقدان الاحترام:

        "وإذن فقد كنتما تستمتعان أنت "ومدموازيل" آديلا في الأمسيات أيها الفتى الخبيث."

ص 411

        وقد كان هذا خطأ جسيما ارتكبه عزيز، ورد فيلدج على الإهانة بإهانة مثلها، وصاح به:

        "أيها المخرف الحقير! نعم، تباً لي، أجل، المتعة حقا. أكان هذا محتملا في مثل هذا الموقف؟ !

        -"عفوا عفوا. إنه الخيال الشرقي المتهور الذي سبب هذا." قالها عزيز في مرح ولكنه كان حزينا في قلبه. وظل ينزف في نفسه لمدة ساعات بعد غلطته هذه."

ص 412

        وأفهم فيلدنج عزيز أنه لايمكن أن يقدم على إقامة علاقة مع فتاة ما تزال مخطوبة، وحاول تصفية الجو:

        "- إنك لست مستاء؟

        - قطعا لا، لو كنت مستاء فسوف يزول ذلك فيما بعد."

ص 412

        وكرر عزيز الاعتذار وتصافيا:

        "- لقد كنت وقحا دون قصد، فتقبل كل اعتذاري.

        - إن الغلطة كلها غلطتي.

        وكانت مثل هذه الورطات ما تزال تعترض علاقاتهما، فوقفة في غير محلها، أو نبرة يساء فهمها، كانت تكفي لأن تجنح بالحديث كله إلى غير هدفه، ولم يصدم فيلدنج، ولكنه جفل، ولكن كيف السبيل إلى إفهام صاحبه الفرق بين الحالين؟

        إن المتاعب توجد دائما عندما لا يفكر شخصان في الجنس في وقت واحد، ففي هذه الحالة يثور الغيظ المتبادل والدهشة حتى وإن كان الشخصان من عنصر واحد."

ص 413

        واعتذر فيلدنج بدوره من عزيز على تفوهه بكلمة المخرف الحقير، وأجاب عزيز:

        "- هذا لايهم طبعا. إننا جميعا نخطئ. وفي صداقة كصداقتنا لا يترتب شيء على الهفوات الضئيلة."

ص 419

ب- الأزمة والقطيعة:

        وقد توجت هذه الشكوك برسالة فيلدنج من انجلترا بعد سفره والتي يعلن فيها زواجه:

        " وبعد صمت جاء الخطاب المنتظر من هامستد. كان محمود علي معه عندئذ:

        " إليك نبأ سوف تدهش له، فسوف أتزوج فتاة تعرفها..."."

ص 440

        لم يكمل عزيز الخطاب بل أعطاه إلى محمود علي قائلا: هاهو ذا قد فعلها فلتجب أنت بدلا مني.

        "ومزق الخطابات التالية دون ان يفتحها."

الصفحة نفسها

        لقد أيقن ان فيلدنج استغله، وتزوج من الآنسة "كويستد" بعد ان جعله يتنازل عن التعويض ولذلك فقد ثقته به واحترامه له، وقرر أن يقطع علاقته به وألا يراسله بعد الآن.

        كانت الشكوك هي النتيجة المنطقية لعقله غير المنهجي، كما كان تصديق الاشاعات والاستسلام للدسائس نتيجة الحكم المسبق وخيبات الأمل.

جـ- المواقف المتباينة:

        كانت مواقفهما متباينة منذ بداية تعارفهما ولم يكن ذلك يؤثر على صداقتهما، فقد كان عزيز لا يحفل بالسياسة، ولا يهتم بها، وكان فيلدنج مهتما بالتعليم لا يفرق فيه بين الإنجليز والهنود، ولكن الأمور تغيرت فيما بعد فقد تنبه عزيز منذ سجنه إلى ظلم الاحتلال وضرورة مقاومته، وتغير موقف فيلدنج فأصبح مناصرا لبني جلدته، وحينما تقابلا في "ماو" بعد عامين حيث يعمل عزيز طبيبا للراجا الهندوكي، أضحى تباين مواقفهما واضحا، وهذا عزيز يقول لفيلدنج بجفاء وصراحة:

        "سوف يكون قلبي لبني وطني من الآن فصاعدا."

ص 455

        وهكذا تزعزعت عاطفة الصداقة بينهما بعد تزعزع الثقة والاحترام.

        "أما فيلدنج فقد ربط مصيره بمصير الهند البريطانية، إذ تزوج امرأة من بني جلدته، وبدأ يكسب بعض صفات الهند البريطانية القاصرة، حتى إنه كان يحس بالدهشة عندما يفكر في بطولته السابقة. أيتحدى اليوم كل مواطنيه من أجل هندي ضال؟."

ص 480

د- إزالة سوء التفاهم:

        وحين وصل التأزم في العلاقة إلى ذروته، بدأ الكاتب في حل عقد التأزم بعد اكتشاف فيلدنج سبب الجفوة بينه وبين عزيز ولم يكن قبل ذلك يدرك السبب في إهمال عزيز الرد على رسائله العديدة، وحين التقيا في "ماو" مصادفة بعد عامين عرف عزيز بأن فيلدنج لم يتزوج من الآنسة كويستد بل من "ستيلا" ابنة صديقته السيدة "مور".

        وعرف فيلدنج سبب جفوة عزيز وتعاتبا:

        "- ربما كان هذا يفسر موقفك الشاذ؟

        - بربك ما الذي لايعجبك في موقفي؟

        - الخطاب العابث الذي جعلت محمود علي يكتبه بدلا منك."

ص 454

        واستطرد بعد ذلك:

        "- عزيز يجب أن تناقش سوء الفهم هذا فيما بعد. لابد أنه أثر من آثار شيطنة محود علي. إنه يعلم تمام العلم أنني تزوجت مس مور."

الصفحة نفسها

        وخجل من خطئه، واعترف به، ولكنه ثار ليستعيد كبرياءه:

        " فيم يهمني أن تكون قد تزوجت هذه أو تلك؟ إن كل ما أطلبه منك هو ألا تعكر صفو حياتي هنا في ماو. لست أريدك، ولست أريد واحدا منكم في حياتي الخاصة. وإني لأكرر لك ذلك حتى آخر لحظة من عمري. أجل. أجل. لقد ارتكبت خطأ أحمق، فاحتقرني وعاملني ببرود. لقد طننتك تزوجت عدوتي، ولم أقرأ خطاباتك أبدا. وإنما خدعني محمود علي، لقد ظننت أنك سرقت مالي."

الصفحة نفسها

        وفي اليوم التالي زال سوء التفاهم بينهما بعد حادث اصطدام قاربيهما:

        "أثبت الوفاق الذي عاد بينهما نجاحه على أية حال. ولم يكن هناك سوء تفاهم أو مرارة بعد الاصطدام المضحك للقاربين، وعادا ضاحكين إلى علاقتهما القديمة، كأن شيئا لم يحدث."

ص 477

هـ- تعليق الصداقة إلى أجل مسمى:

        التقى الصديقان في آخر لقاء بينهما:

        "مضى عزيز وفيلدنج في آخر نزهة لهما على الجياد في ماو، وقد أحسا ثانية بأنهما صديقان، ولكنهما شعرا بأنهما لن يستطيعا أن يلتقيا ثانية."

ص 476

        لقد كانت مواقفهما متباينة، وظلت كذلك:

        "ظلا طوال طريق عودتهما إلى ماو يتحدثان في السياسة، وكان كل منهما ثبت على رأيه منذ أيام شاندرابور. ووجدا طرافة في حوارهما الذي اختلفا فيه. وكان كل منهما يثق في الآخر، رغم أنهما كانا سيفترقان، وربما لأنهما كانا سيفترقان."

ص 482

        وعبر عزيز عن إيمانه بوحدة الهند:

        "- ستكون الهند امة! لا أجانب فيها من أي نوع! سوف يتحد الهند وكيون والمسلمون والسيخ جميعا! مرحى! مرحى! مرحى للهند! مرحى! مرحى!."

ص 484

        وسخر فيلدنج من توحد الهند بطوائفها المختلفة في أمة واحدة، يصبح لها مقعد واحد في عصبة الأمم مثل جواتيمالا أو بلجيكا، وتوتر الجو بينهما من جديد:

        "وسخر فيلدنج ثانية وأخذ عزيز يهتز في اتجاهات مختلفة، وقد تملكته ثورة عاتية، غير مدرك لما ينبغي أن يعمل، وصاح: "ليسقط الإنجليز على كل حال. هذا مؤكد. اغربوا عنا يا سادة، وضاعفوا سرعتكم. إننا قد نكره بعضنا البعض، ولكن كراهيتنا لكم لا يفوقها شيء، فإن لم أرغمكم أنا على الرحيل، فسيفعل ذلك أحمد أو سيفعله كارم. وسوف نتخلص منكم حتى وإن مضت خمسمائة سنة مضاعفة خمسين مرة، أجل سوف نلقي بكل إنجليزي لعين إلى البحر، وعندئذ   "ـ واتجه بجواده نحوه منفعلا ـ" وعنذئد، أنهى كلامه وهو يكاد يقبله "سوف نصبح أنا وأنت صديقين."

        فقال الآخر، وهو يمسك به في حرارة "ولم لا نكون أصدقاء من الآن؟ إن هذا ما أريده أنا، وهذا ما تريده أنت."

        غير أن الجوادين لم يكونا يريدان ذلك، فاستدارامتباعدين، والأرض لم تكن تريده، فأرسلت صخورا لا يستطيع راكبا الجوادين إلا أن يمرا بها كل على انفراد، والمعابد، والبركة، والسجن والقصر، والطيور، والرمم ووالمضيفة التي تراءت لهما عندما خرجا من الثغرة ورأيا قصر "ماو" تحتهما "كل هذه الأشياء لم تكن تريد ذلك، وقالت بأصواتها العديدة: "كلا ليس الآن" وقالت السماء: "كلا ليس هناك."

ص 484

        إن الصداقة إذن لا يمكن أن تكون بين أفراد الشعبين في ظل الاستعمار لأن كلا منهما يقف في صف مخالف ومعاد للآخر، ولن تكون هناك صداقة حقيقية إلا بعد الاستقلال، هذا إذا خلصت النوايا.

III- تقييم العلاقة:

أ- نجاحها أو فشلها:

        وكما رأينا لم تكن هذه العلاقة ناجحة مئة بالمئة، ولا فاشلة مائة بالمائة. ولكن إيجابياتها أكثر من سلبياتها، فقد مكنت الطرفين اللذين يمثلان الشرق والغرب من التعرف كل منهما بالآخر، والحكم عليه من قرب، واستبعاد الأحكام المسبقة الجاهزة بما فيها من احتقار الآخر أو كرهه أو الخوف منه. وما يعزز الحكم عليها بأنها إيجابية تأثر كل منهما بالآخر وتأثيره فيه وقديما قالت العرب: "معرفة الرجال كنوز."

        وقد تمثل تأثر فيلدنج بعزيز بانه أصبح أكثر عاطفية، وأكثر حميمية في صداقته، إذ نراه عند بداية صداقته بعزيز يقول في نفسه:

        "إنني لن أكون في الحقيقة صديقا حميما لهذا الشخص ثم أضاف: "ولا لأي شخص"."

ص 172

        ثم نراه قبل سفره وقد تعلق بعزيز، فلم يعد "خفيفا" متفائلا كما كان في الماضي:

        "وقد تخلى عنه تفاؤله لأنه كان بحق مغرما بعزيز. إن سفر الإنسان خفيفا يفقد سهولته بمجرد أن تدخله المودة."

ص 412

        كما نراه يرتبط بالزواج في ختام الرواية بعد أن كان لا يؤمن به في بدايتها، وقد تعجب عزيز من عدم اهتمام فيلدنج بالزواج وبإنجاب الأطفال، وقال له: "إذن فسيمحى إسمك نهائيا."

        فأجابه فيلدنج:

        "إنني أفضل أن أترك فكرة بعدي على أن أترك طفلا."

ص 173

        أما عزيز فقد تأثر بفيلدنج في أمور عديدة منها الابتعاد عن التبذير، ومعرفة اهمية النقود، حيث نجده يقول وهو يجيب على رسالة فيلدنج:

        "كل شيء يجب الاقتصاد فيه من الآن فصاعدا، فقد اختفت كل الأحلام عن زيارة كشمير إلى الأبد."

ص 422

        كما نراه يصبح أكثر موضوعية في أحكامه، فقد أدرك مدى شجاعة الآنسة "كويستد" في المحكمة وتبرئتها له، لذلك أراد إرسال رسالة لها لشكرها بعد أن كان يعتبرها عدوته:

        "وأخرج عزيز خطابا كان يريد أن يرسله لمس كويستد، وكان خطابا رائعا، اراد فيه أن يشكر عدوته على سلوكها الرائع منذ عامين، فالآن أصبح واضحا كل الوضوح أنها أحسنت التصرف."

ص 477

        وإلى جانب ذلك أصبح ينوع في مواضيع شعره، ولم يعد يتحدث عن الماضي، بل عن الحاضر والمستقبل:

        "كانت أشعاره كلها تدور حول موضوع واحد هو الأنوثة الشرقية. لقد كان الحمل الذي يثقل المرأة الشرقية هو: "يجب أن يختفي الحجاب، وإلا فلن نتحرر أبدا"."

ص 441

        وحجاب المرأة في الهند يعني عزلها تماما عن الرجل. كما أصبح يكتب لكل الهنود بصرف النظر عن عقائدهم:

        "وفي هذا المساء هفت نفسه إلى أغنية جديدة ترضى عنها الجماهير، وتتغنى بها في الحقول، بأي لغة يكتب هذه الأغنية؟ وماذا يقول فيها؟ لقد أخذ علىنفسه أن يرى الكثير من الهنود غير المسلمين، وألا ينظر إلى الوراء قط، فهذا هو الطريق السليم الوحيد. ما الفائدة في هذا الزمان والمكان من التغني بأمجاد قرطبة وسمر قند؟ لقد ذهبت. وبينما نحن نبكيها يحتل الإنجليز دلهي ويعزلوننا عن شرق إفريقيا. إن الإسلام نفسه مع صدقه يلقي الضوء على طريق الحرية. وإن أغنية المستقبل يجب أن تعلو على اختلاف العقيدة."

ص 403

        وأصبحت غاية عزيز محددة وهي طرد الإنجليز وأما فيلدنج فقد انحاز إلى بني جلدته، ولم يكن الذنب دنبهما أو ذنب أحدهما في تعليق صداقتهما، وعدم تمكنهما من الاستمرار في دربهما، بل هو ذنب الاحتلال الذي جعل غايتيهما متعارضتين ونحن نتعاطف مع عزيز وقومه، ولانتعاطف مع الإنجليز المحتلين، ولكننا نستثني "فيلدنج" فمع أمثاله إذا تجردوا من العنصرية والطائفية نستطيع أن نمد الجسور بين الأمم والشعوب.

ب- الفكرة المستهدفة:

        يمكن لإنسانين ينتميان إلى حضارتين مختلفتين وإلى بلدين مختلفين ومناخين مختلفين وديانتين مختلفتين ولغتين مختلفتين أن يكونا صديقين، إذا توفر لديهما الاحترام المتبادل والثقة اللذان يمكناهما من تجاوز الحواجز العنصرية والدينية واللغوية. وبما أن الصداقة يجب أن تكون صداقة الند للند، وأن يقف كل منهما على قدم المساواة تجاه الآخر، فلا يمكن تحقيقها إذا كان أحدهما في صف الحاكمين والآخر في صف المحكومين، أحدهما في صف الظالمين المغتصبين، والثاني في صف المظلومين المستضعفين. فالصداقة بينهما مستحيلة بل مؤجلة إلى أن ينتهي الحكم الاستعماري، ويصبحا متساويين في الحقوق والواجبات.

        ولاشك ان الكاتب من خلال هذه الفكرة يهاجم الاستعمار، ويدعو إلى التسامح والتآخي العنصري والديني والطائفي والحضاري.

تمرين 1:

        إقرأ بإمعان عوامل الاختلاف الواردة في الملحق بعد التمارين، وأجب عن الأسئلة الآتية:

1- بين نوع شخصية كل من عزيز وفيلدنج. هل هي جاهزة أم نامية؟ علل إجابتك.

2- ما عيوب عزيز التي أبرزها الكاتب الإنجليزي؟ وهل تراه منصفا في ذلك؟

3- ما العيوب التي تراها متفشية في مجتمعك من هذه العيوب؟

        (العشائرية، الكسل، البعد عن المنهجية، عدم احترام الوقت، التبذير، كثرة التغني بأمجاد الماضي، الاهتمام بفصاحة الألفاظ أكثر من الاهتمام بتحليل المعاني). استشهد بأمثلة من الواقع على ما تقول. وبين إن كانت هناك عيوب أخرى.

4- بين مظاهر التبذير في مجتمعك، ولاسيما في المناسبات والأعراس.

5- كيف يمكن مواجهة هذه العيوب في رأيك؟ بالتربية أو بالقوانين الصارمة أو بالتوعية؟ علل رأيك.

6- ما العواطف التي أثارتها لديك هذه العلاقة تجاه كل من عزيز وفيلدنج؟

7- ما الفضائل الموجودة في مجتمعك؟ وما الوسيلة للمحافظة عليها؟

8- هل تشبه علاقة عزيز وفيلدنج العلاقة بين الجزائري والفرنسي في زمن الاستعمار؟ وما هي الشروط لإقامة صداقة حقيقية بينهما، قائمة على أساس المساواة لا التبعية؟ وضح رأيك وعلله.

تمرين 2:

        اختر علاقة صداقة مما يأتي، وادرسها وفق المخطط الوارد في بداية هذا الفصل:

أ- استخرج من الرواية التي تطبق عليها علاقة صداقة وحاول دراستها مستشهدا على ما تقول بنصوص من الرواية.

ب- ادرس واحدة من علاقات الصداقة في الروايات التي اقتبست منها النصوص السابقة.

جـ- ادرس علاقة صداقة في رواية جزائرية أو عربية أو مترجمة إلى العربية.

 

لقراءة الفصل التالي انقر هنا: الفصل السابع: العلاقات العاطفية - 2- الحب

لقراءة الفصل السابق انقر هنا: الفصل الخامس : العلاقات العاطفية- 1- الصداقة

 للاطلاع على فصول الكتاب، انقر هنا: العلاقات الإنسانية

للاطلاع على الكتب الأخرى، انقر هنا:  كتب أدبية وتربوية